محمد أبو زهرة
421
المعجزة الكبرى القرآن
هذا هو العمل الذي نعتقد أنه العمل السليم الذي يحقق كل المقاصد من غير أن يتعرض القرآن لعبث العابثين ولهو الضالين . وإنا نعتقد بل نوقن أن اللّه حافظ كتابه في الانتهاء ، كما حفظه في الابتداء ، إنه عليم قدير . الغناء بالقرآن : 263 - تلونا من قبل قوله تعالى : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ( 16 ) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ( 17 ) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( 18 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ( 19 ) . [ القيامة : 16 - 19 ] هذا النص الكريم يدل على أن تلاوة القرآن بتوجيه من اللّه تعالى : لأنه سبحانه وتعالى يقول : فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ، أي إذا تلونا عليك القرآن ، واستحفظته ، فاتبع القراءة التي علمك اللّه تعالى ، وهو ما يدل عليه قوله تعالى : فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ أي اتبع طريقة القرآن الذي قرأناه ، ولا تبتعد عنه ، فإن القرآن يراد به القراءة أحيانا ، كما قال تعالى : إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً [ الإسراء : 78 ] . والقرآن في أصله كتاب كريم مبين ، وعبر عنه سبحانه وتعالى بقرآن إيماء إلى إنه كتاب نزل بنصه وبطريقة قراءته ، وذلك لا يستحفظ باقيا في الأجيال بمجرد الكتابة ، بل بالقراءة وحفظه في الصدور متلوا بما علم اللّه سبحانه وتعالى نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، فالنبي عليه الصلاة والسلام في تلاوته ، إنما يتلو بتعليم من اللّه تعالى في مده وغنه ، وتشديده ، وتسهيله ، فإنه إذا نزل على النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم نزل متلوا . وعلى ذلك تكون القراءة الكاملة للقرآن الكريم هي القراءة التي التزمها النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بأمر ربه وتعليمه ، ولذلك يقول العلماء : إن القراءة سنة متبعة ، لا يصح لمؤمن أن يحيد عن طريقة النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وقد علم النبي أصحابه هذه القراءة كما علمه ربه ، وعلم الصحابة تلاميذهم من التابعين تلاوة النبي عليه الصلاة والسلام ، وتواترت قراءة النبي الكريم ، كما تواتر القرآن الكريم فكان محفوظا بطريق تلاوته كما كان محفوظا بذاته ، بل إن الفصل بين طريقة التلاوة وذات القرآن الكريم فصل بين متلازمين ، فإن السلف الصالح ، والخلف من بعدهم ما كانوا يعتمدون على المكتوب في استحفاظ القرآن الكريم ، إنما يقرأ طالب القرآن على مقرئ يقرئه ، ولا يعتمد على مكتوب كتب ، لأن المكتوب قد يجرى فيه التصحيف والتبديل ، أما ما حفظ في الصدور فإنه لا يعروه تغيير ولا تبديل ولا تحريف .